في السعي المضني نحو الكمال

3955_3f900db2608fb3eecb3ee77ba9ef5f60

هناك خدعة الكمال. كل شيء حولك ناقص وتعد نفسك يوما بأن لا تكرر نقص العالم من حولك. تقرر خوض البحار وتبدأ أحلامك الكمالية بالتلاشيء بنفس الوتيرة التي تعبر فيها عباب اللغة. تتقازم الأفكار ويمتد خط الأفق أمامك بلا نهاية ولا تجد أين كل الوعود التي قطعتها على نفسك بألا تفعل ما فعله الآخرون. تعود من حيث بدأت وتجزم في نفسك أن الحزة القادمة ستكون أكثر اكتمالاً ولكن ما إن تغرب شمس النشوة حتى تقتلفك دوامة التفاصيل. تتساءل أحياناً إن كان الكمال ممكناً من الأساس. وفي داخلك نهر من الإيمان الصامت يوحي لك بأن الكمال يتجاوز الزمن بكامله ويتجاوز المكان. الكامل لا يمكن بلوغه إلا ببلوغ الأزل ولا يوجد لديك كإنسان متسع من الوقت لتنتظر حلول الازل. ولكن ماتزال تطمح بالكمال.

تطمح بالكمال في كل حرف وتتمنى أن تعتني جيداً بكل عابر وتتوق لأن تعيش كاملاً ولكن كل شيء في الحياة يجرك للنقص، لا يجرك فحسب بل يقذفك نحو النقص كفريسة سهلة المنال. تقوم بعد عثرتك وتحلف أن تحب بكل قوة وتعيش بكل لحظة وتتأمل في كل زاوية ولا تلبث أن تخطو خطاك الأولى نحو الكمال حتى تتداعى الأحلام من جديد وتتصاغر أمام جبروت الحياة.

يحكى أن أحدهم أراد أن يحيك سجاداً وعزم أن يكون حديث الأولين والآخرين أبد الآبدين. لم يكن ينقصه شيء -كما آمن- سوى أن يبدأ فحسب. كان لا يأبه بالنهاية ولا يريد أن يأبه. حين بدأ بحياكة الخيوط الدقيقة لم يكن في باله في أن ينتهي إلا وقد أصبح سجاده شغل العالم الشاغل لأنها ستكون بارعة الجمال. كان يرى مدينته أمامه تنمو ببطء ولكنه لم يكن يأبه كثيراً بالزمن. لقد رمى ساعته الوحيدة في قاع النهر حتى ينساه. تبدأ يده بالترهل ويرى بعينه أن الغروب سيحين عما قريب. لقد مرت مئات السنين من اللحظة التي قرر فيها أن يحيك سجادته وهاهو منغمس كل الوقت في إكمالها. تبدأ مدينته العظيمة بالانحسار وسط مشهد مهيب لشمس الغروب التي تدنو وتدنو من خط الأفق. ترتجف يده وتترهل أكثر ويدب الخوف في نفسه إن داهمه الضعف أو الموت قبل أن ينتهي ما عزم على إنهائه. تلامس الشمس خط الأفق في إعلان لبدء النهاية. مدينته العظيمة التي ما زال يذكر هيئتها تصاغرت أكثر وأصبحت مهجورة بعد أن مرت آلاف السنين من سقوط آخر أسرة حاكمة. يؤول كل شيء أمامه للتلاشي إلا إصراره على الكمال. توشك الشمس أن تغوض في جوف البحر وهاهو أخيراً يضع اللمسات الأخيرة التي ستستغرق ربما مئة سنة أخرى. وفي اللحظة التي انتهى فيها من حياكة السجاد استلقى بجانبها ليغفو قليلاً قبل أن يقوم ويراها كاملة. شمس عمره أفلتت للمغيب والشيخ لم ير النتيجة النهائية بعد ذلك ليس لحلول الظلام ولكن لأنه لم يصحُ من غفوته أبداً. لم يفهم أحد سر تلك السجادة ولا من صنعها ولا كيف صنعت بما دفع البعض للاعتقاد بأن آلهة ما للجمال قد أرسلت هذه القطعة للبشر.

لقد كان مصراً على الكمال وكان فنه نقياً ومشبعاً بالتفاصيل وكانت النتيجة مدهشة. لكن ماكان هذا ليحصل لولا أنه توقف عن مهادنة الزمن ومضى في طريقه إلى آخر نفس، حيث لا زمن يتربص به. وهنا سر الكمال حيث لا زمن ولا مكان بل عالم ممتد فسيح يتيح لك أن تتبع التفاصيل حتى آخرها دون أن يدركك الضعف والموت، ولكن هيهات.

الحقيقة الموهومة أو الوهم الحقيقي

لا يوجد حياد. لا حياد نسبي ولا حياد مطلق. يوجد إيمان مريح بأن هذا الحياد ممكن وأن حقيقةً ما توجد خارجنا.

حينما نرى الأشياء، نسمعها ونشمها ونتحسسها، لا ينتابنا أدنى شك في وجود عالم خارجي مستقل وموضوعي. ولا ينتابنا شك كذلك في قدرتنا على استشعار وجوده، فالصور الذهنية التي نملكها عن العالم تمثيل دقيق للعالم الخارجي كما هو، وتتناسب الدقة مع كمية المعلومات التي نستقبلها عن العالم الخارجي. هذا الإيمان بموضوعية الإدراك ودقته مغروز فينا مهما تواترت البيانات على عدم دقته. لأننا لا نؤمن بماهو صحيح بالضرورة بل نؤمن لأسباب أخرى.

فلنسأل من جديد: كم من إدراكنا موضوعي وكم من إدراكنا ذاتي خاضع لتجربتنا الذاتية ؟

حتى نجيب عن هذا السؤال نحتاج أن نعرف أولاً ماهي وظيفة الإدراك. ربما يبدو غريباً أن نتساءل عن فائدة الإدراك ويبدو شبيهاً بالتساؤل عن فائدة الحياة. ولكن هذا التساءل مختلف، حيث توجد كائنات حية حولنا تعيش بقدرات حسية مختلفة، وبعضها حتى لا يدرك أساساً -كالنباتات-. الجواب المبدئي والبدهي قد يكون في أن فائدة الإدراك هي في تمثيل العالم الخارجي بشكل دقيق يفهمه الدماغ وبناء عليه يتخذ التصرفات التي تحافظ على بقاء الكائن الحي. ولكن هذا الجواب المبدئي يتضاءل أمام الكم الهائل من الحيل البصرية التي تخدع أنظمتنا البصرية والمعقدة للغاية، فضلاً عن إدراك المحفزات العاطفية والتي ننجر فيها لاتخاذ القرارات بدون تفكير حتى. وهكذا -وبروح تطورية- يقترح العديد من العلماء أن وظيفة الإدراك ليست في معرفة العالم الخارجي كما هو بل في التقاط المحفزات الخارجية التي تعزز من بقاءنا كجنس بشري – وينطبق ذات الأمر على باقي مملكة الحياة- . فهذه التصور عن الإدراك يضعه في سياق تطوري يمتد لملايين السنين وقادر على تقديم تفسير للكثير من اللحظات التي يقتصر فيها إدراكنا .

فهذه الهندسة الحيوية للدماغ وللحواس قد فرضت تحيزاً مسبقاً في كمية المعلومات التي يمكن أن نلتقطها من العالم الخارجي، وهذا التحيز أصم أعمى أبكم بمعنى أننا لا يمكن أن نكتشف كيف سيكون إدراكنا وكيف ستكون الحياة بدونه، بل إن أدمغتنا مهندسة بهذا المبدأ. يظل السؤال فيما إن كان كان هذا أكفأ أم لا سؤالاً جانبياً. لأن علم الأحياء قد حسم الجواب لصالح البقاء والتناسل.

على ضوء هذه الهندسة التي حيّزت إدراكنا مسبقاً لطيف محدد من المعلومات الخارجية، هل يمكن أن نعممها لتشمل الأفكار واللغة والمشاعر وكل ما لا ينتمي للحواس ؟ السؤال يبدو بلا معنى، لأنه ماهي الأفكار واللغة والمشاعر إذا لم يوجد تاريخ وخبرة من التجربة الحسية ؟ لا يجزم أحد ولا يستطيع أحد الجزم بأننا سنفقد القدرة على التفكير إذا حرمنا من حواسنا ونشأنا داخل غرف بيضاء، لكن هناك كمية كبير من الأبحاث في حقل الإدراك المبني على الجسد Embodied Cognition والتي تقول في مجموعها بأن قدرتنا على التفكير والتخيل مبنية بشكل بيولوجي فوق قدراتنا الحسية. هذا الخط من التفكير يضعنا أمام سؤال جريء وهو أن هناك مجال من الأفكار التي يمكن أن يفكر بها أي إنسان. فتركيبتنا البيولوجية لا تساعدنا على البقاء فحسب، بل تحد من مجال أفكارنا وتصرفاتنا كأداة لضمان البقاء، وهذا ما يجعل من حيوان كالفأر غير قادر على إدراك مفهوم الأرقام الأولية مقابل الإنسان غير القادر على شم الروائح كما يشمها الفأر.

وطالما أن هذه الهندسة المسبقة التي حيزت بيولوجيتنا قد تطال اللغة والأفكار، فكيف نفسر الإيمان بناء على هذا الأمر ؟ لنتحدث على الأقل عن إيماننا بأبسط الحقائق مثل أننا نفكر أو أننا نرى العالم الخارجي كما هو. هنا لابد أن نميز بين عدة مستويات من التحليل والنظر حتى لا نقع في فخ الحتمية العدمية. نحن نفكر. التفكير ليس خرافة ولا نشاطاً ميكانيكياً بلا محتوى، بل إننا نفكر بنفس المعنى حين نقول بأن كل الكائنات التي تملك أجهزة عصبية معقدة تفكر كذلك. التفكير هو مانفعله بالمعلومات الواردة من العالم الخارجي سواءً كان تفكيراً واعياً أو تفكيراً اوتوماتيكياً. ولكن إلى أي حد هناك محتوى مستقل لما نفكر فيه ؟ لا يبدو الأمر بتلك السهولة. صحيح أننا نعرف ان هناك مناطق محددة في الدماغ تستجيب لمحتويات معينة مثل الوجوه أو المناظر الطبيعية ، أو حتى للمسائل الأخلاقية الشائكة التي تتطلب اتخاذ قرارات صعبة ، لكن هذه النظرة التجزيئية للدماغ لا تفسر المرونة الهائلة التي نتمتع فيها في التفكير والتحليل كما تغفل الشبكات العصبية الكثيفة بين مختلف المناطق داخل الدماغ بما يوحي بمحتوى مشترك وموزع في كل مكان. هذه السمة الغامضة للمحتوى تصعب مهمة تفسير الإيمان، على الرغم من بعض المحاولات هنا وهناك في فهمه (وعلى الرغم من احتمالية انحصار هذا الإيمان بالإمكانات البيولوجية).

ومن هنا يجب أن نغير مستوى النظر إلى مستوى أكثر تجريدية وهو المستوى النفسي الذي يبحثه علماء النفس. يدرس علماء النفس ظواهر نفسية يومية تنتابنا في معالجة المعلومات والتفكير، أذكر منها على سبيل المثال ظاهرة تقسيم عبء العمل الإدراكي والتنافر المعرفي. فلكي نحقق أعلى كفاءة في العيش ضمن جماعة، لسنا بحاجة لمعالجة كل معلومة في الحياة بانفسنا. بل نثق غالباً بآراء الآخرين حول المجالات التي لا نملك الوقت الكافي لبحثها وتفحصها ونأخذ ادعاءاتهم كمسلمات صحيحة. فحين يخبرك أحدهم بأن هناك سلسلة جبلية طويلة تدعى الهملايا في شمال الهند فلن تكون بحاجة لتكبد عناء السفر لتراها بنفسك ومن ثم تعتبر فكرة وجودها صحيحة، بل ستسلم بوجودها وربما تختلف الظروف فتطلب الإثباتات كمجموعة من الصور أو الآراء أو ما إلى ذلك. المهم أننا لسنا قادرين على التحقق من كل فكرة في الحياة فلهذا نلجأ للجماعة وللخبراء وللعلماء. وحين نتعرض لمعلومة تناقض ما نؤمن به مسبقاً بشكل متراكم فإننا بارعين في التخلص منه وتناسي وجوده وربما في البحث والتقصي وتحمل الألم والمعاناة في ظاهرة تدعى بالتنافر المعرفي. نتجنب الألم أكثر بكثير من سعينا الحثيث نحو السعادة، ولهذا نحن حساسون للألم ولا نقوى على الحياة معه فإن كنت تعتقد أن السعادة يجب ان تكون الغاية فهذا بالنسبة لك أما جسدك فقد تعلم أن البقاء هو الغاية وتجنب الألم وسيلة أنجع للبقاء من طلب السعادة. وهذه الظاهرتين لعلها تفسر لماذا نصدق الكثير من الأمور التي لم نشهدها بأنفسنا ولماذا لا نريد لهذا التصديق أن يتلاشى ويتحول إلى شك.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن التصديق بفكرة ايجابية متفائلة حتى لو كانت خيالية ينعكس أحياناً في فسيولوجيا الجسم مباشرة كما تقول بعض الأبحاث التي تبحث عن فعالية العلاجات المختلفة. إيمان المريض بالعلاج أهم بكثير من العلاج نفسه. وهذا يمتد حتى لأثر ودور الخيال في تهيئتنا وتغيير سلوكياتنا وردود أفعالنا. وكذا ينطبق الأمر علينا جميعا، إيماننا -أياً كان المحتوى- أهم من المحتوى ذاته. لأنه حتى عملية تحري صدق المحتوى لن تسلم من التحيز البيولوجي وبهذا تصبح فكرة الحقيقة الموضوعية أو إدركنا المشابه لصورة العالم أفكاراً أقرب للخيالات اللذيذة.

يقترح عدد من أبرز علماء الإدراك واللغة بأن إمكاناتنا البيولوجية ذاتها ربما ليست قادرة بعد ومهيأة لإدراك ومعالجة طيف هائل من الأفكار والوقائع بنفس السبب الذي يجعل القرد عاجزاً عن حل المعادلات التفاضلية. و المرء يتساءل في ضوء هذا الاقتراح وفي ضوء الهندسة البيولوجية والنفسية المعقدة والمتحيزة لبقاء الكائن لماذا مازلنا نقدر التفكير ونقدسه.

لا للمزيد من صور الجثث والدماء

* نشر في صحيفة مكة.

لعل أحد أسخن المجالات التي أثارتها ثورة الإعلام الاجتماعي هي لغة الصورة، أو اللغة الفوتوغرافية. وعلى الرغم من قلة الطرح النقدي في هذا المجال إلا أن شواهده وآثاره تزداد وضوحاً مع مرور الوقت وارتفاع معدلات انضمام وتفاعل الناس مع الشبكات الاجتماعية. فصورة واحدة من «داعش» قد تحسم آلاف المقالات والنقاشات حول سماحة الإسلام أو السلفية أو ما إلى ذلك. ولكن ما هو السر وراء القدرة الخطابية المهولة للصورة أمام الكلمة؟

السر يكمن في تأثرنا الكبير بالحكايات، فنحن البشر كائنات حكواتية بالفطرة، نحب القصص ونتأثر بها بشكل يفوق قدرة أي حجة عقلانية على التأثير وسأشرح بعد قليل لماذا.

حين نشاهد الصورة نحن لا نشاهد صورة جامدة فحسب، بل نحاكي في مخيلتنا كل السيناريوهات المحتملة وهذه المحاكاة التخيلية هي بالضبط ما يجعلنا هدفاً سهلاً للقصص، ولذلك ليس عجباً أن تكون القصة من أحد أهم أساليب الإقناع والتأثير من فجر التاريخ، فالنصوص المقدسة القديمة بما فيها الكتب السماوية وكذلك جواهر الحكمة التي تفخر بها الشعوب وترمز بها لتاريخها، كلها مليئة بالحكايات والقصص. وعلى الرغم من اختلاف أهداف هذه الحكايات فيما تريد أن تقنعنا به، إلا أنها تشترك في قدرتها الباهرة على التأثير وإثارة العواطف والأفكار، فالقدرة الخطابية المهولة للصورة إذن ليست إلا أحد تجليات هذه الظاهرة، تأثرنا الشديد بالقصص.

في تجربة أجريت في جامعة بنسلفينيا لبحث ما الذي يدفع الناس للتبرع، وزعت عينة أعطيت خمسة دولارات إلى مجموعتين، المطلوب من المجموعتين هو أن تتبرع بالمجال لمنظمة خيرية تعتني بالأطفال حول العالم، المجموعة الأولى تقرأ اللوحة التالية «نقص الطعام في مالاوي يؤثر على أكثر من 3 ملايين طفل .. في زومبيا وبسبب الأمطار الكثيفة يقل إنتاج الذرة بنسبة 42٪ منذ العام 2000 ونتيجة لهذا هناك ما يقدر بثلاثة ملايين زمبابوي يواجهون الجوع …(بتصرف)، من معلومات واضحة وصادمة بخصوص مآسي العالم.

أما المجموعة الثانية فتقرأ اللوحة التالية – والمرفقة بصورة طفلة ، روكيا، عمرها 7 سنوات من مالي، فقيرة للغاية وتواجه خطر الجوع الشديد، بل الموت جوعاً، حياتها ستتغير بفضل تبرعاتك، منظمتنا ستظل مع عائلة روكيا والمجتمع من حولها من أجل توفير طعام أفضل، وتعليم أفضل وعناية صحية أفضل كذلك. (بتصرف). في النتيجة، كان متوسط التبرعات في العينة الأولى 1.16 دولار، فيما كان في اللوحة الثانية 2.83 دولار. هذه التجربة العابرة لا تذكرنا بأثر الصورة والقصة في دفع مشاعر التعاطف فينا فحسب، بل تذكرنا كذلك بأن «إفجاع» الناس أو إخبارهم بالمعلومات والحقائق المجردة قد لا يؤدي للنتائج المرجوة منها.

نستطيع بثقة أن نستفيد من نتائج التجربة على أسلوب الصورة في الشبكات الاجتماعية، خصوصا في الحملات الخيرية، فالصورة الصادمة والمليئة بالدماء وكل ما لا يتحمله الإنسان قد لا تدفع الإنسان بالضرورة للتعاطف المثمر. وهذا الكلام ينطبق علينا، خصوصاً حين نرى التغطيات المصورة للثورات أو الحروب القريبة منا فنشعر بالعجز الشديد تجاهها. بالمقابل، حين يتم استغلال القصص المصورة – التي «تحكي» أكثر مما تفجع – في تغطية الحدث نجد أن مستوى الرواج والتعاطف كذلك كبير – والأهم من ذلك – لا ينسى بسرعة.

فلماذا تؤثر فينا القصص إلى هذا الحد؟ هناك على الأقل سببان بيولوجيان لذلك، السبب الأول هو أننا حين نقرأ حكاية ما أو نرى صورة تروي حكاية، لا تنشط المناطق اللغوية أو البصرية في أدمغتنا فحسب، بل تنشط مناطق أخرى إضافية بغرض المحاكاة، فنحن نعيش تجربة، أو نحاكي حدثاً ما ونتأثر معه. نحن نضع أنفسنا وسط الحكاية ونحاول تخيل ما الذي يحصل لنا كذلك، وهذا النشاط ولا شك ليس مباشراً على الإطلاق.

أما السبب الآخر، فهو أن النشاط العصبي في دماغ الراوي – حين يروي الحكاية – يتزامن إلى حد كبير مع دماغ المستمع الذي يتفاعل معها، معنى هذا أننا حين نشارك تجربة المحاكاة التخيلية مع الآخرين فنحن نعيش نسبياً نفس الظروف، ولعل هذا ما يجعل من رواية الحكايات نشاطاً اجتماعياً بالدرجة الأولى، فالقادرون على سرد الحكايات والنكت والقصص الطريفة لديهم قدرات اجتماعية جبارة في التأثير على الناس تفوق أولئك العاجزين عن ذلك، فلا ريب إذن أن أسلوب القصص (سواء القصص المحزنة أو القصص الطريفة) كان أحد أهم أساليب الوعاظ والدعاة في جذب الناس خلال مرحلة الصحوة، فلا أدري كيف يعيش في تلك الفترة من يجهل «قصة التائب أحمد» أو لم يحضر محاضرة لسليمان الجبيلان (والمليئة بالنكت والقصص الطريفة بالطبع).

يبقى الكثير مما يمكن أن يكتب حول أثر الصورة وقدرتها البلاغية على حسم الكثير، وقد ركزت في مقالتي هذه على القدرة القصصية المهولة للصورة، ولعل هذا أفضل ما يمكن أن أختم به المقالة، حيث أنصح كل المعنيين بالحملات العامة مثل التوعية بالعدوان الصهيوني على غزة، بأن يأخذوا هذا بالحسبان. لا تعتقدوا أن صور الضحايا المليئة بالدماء والجثث ستؤدي الأثر المرجو منها، فقد أصبح لدى الناس جفاف أو ضمور تجاه هذا النوع من المحتوى نظراً لكثرة التعرض له. بدلاً من ذلك، ابحثوا عن القصص والحكايات، والتقطوها وانشروها للعالم أجمع، فهي التي تثير التعاطف المثمر وهي وحدها التي ترسخ في الذاكرة وتبقى إرثاً مصوراً شاهداً للأجيال القادمة.

من التعليب إلى التعليم

* نشر في صحيفة مكة

لعل مهمة إصلاح التعليم في بلدنا هي أصعب المهمات على الإطلاق. ونرى جليا كيف أن المليارات المصبوبة في خزانة وزارة التعليم منذ سنوات عديدة لا تكاد تقدمنا خطوة في إصلاح جذري وحقيقي للتعليم إذا ما لجأنا إلى مقاييس معيارية وليس إلى تقارير صحفية. فأين تكمن مشكلة التعليم تحديداً؟ أو بعبارة أخرى، لو كنت وزيراً للتعليم فما هو الشيء الذي يمكن فعله لإصلاح التعليم؟

البداية من الفلسفة، فلسفة التربية أو فلسفة التعليم من أهم فروع الفلسفة التي تحدث عنها الفلاسفة القدماء والمحدثون من شتى الخلفيات. والسبب الذي يدفعهم للحديث عنها يبدو جلياً ومبرراً، فالتعليم نقطة البداية للمستقبل. الأطفال في سنينهم الأولى يمرون بأهم مراحل حياتهم التي ستحدد أو ربما تحفر مساراتهم المستقبلية. فالفترات الحرجةCritical Periods في علم نفس النمو كما في علوم الإدراك تشير إلى تلك الفترة التي يكتسب فيها الطفل معارف عن العالم ولا يمكن اكتسابها في مراحل سابقة أو لاحقة بنفس الكفاءة. مثل تعلم المشي، واكتساب اللغة الأولى أو الثانية، وغيرهما. وطالما يقضي الطفل أغلب أوقاته خلال هذه المرحلة في المدارس التمهيدية أو الإعدادية فلا شك أن التعليم يلعب دوراً جوهرياً في وضع اللبنات الأساسية لعقول الأطفال وشخصياتهم. لا توجد لهؤلاء الأطفال فرصة أخرى خلال حياتهم لتشكيل هذه اللبنات الأساسية. ومن هنا فالحديث عن فلسفة التعليم أو التربية ليس ترفاً على الإطلاق.

على الرغم من أن قدراً كبيراً من التراث في فلسفة التربية تحدث عن المحتوى الذي يجب تعليمه للأطفال وفي أي عمر أو على الطريقة المحددة، إلا أن هذا ليس كل الحكاية. فالزمن يختلف ومتطلبات الحياة تتجدد بسرعة غير مسبوقة كما أن الثقافات والمجتمعات تختلف هي الأخرى فيما تراه محتوى أساسياً. لم يعد سؤال المحتوى هو الأهم، بل السؤال الأهم هنا هو سؤال الكيف. ولكي نجيب عن سؤال كيف يجب أن يكون التعليم، فنحن بحاجة إلى الإجابة عن سؤال أهم منه؛ ما هي الغاية أو المخرجات المتوقعة من التعليم؟

فهناك من يرى أن التعليم يجب أن تقتصر مهمته على حقن الأفراد بالمعلومات أو المهارات اللازمة للعمل خلال باقي عمرهم. فالنظرة النهائية للمنتج التعليمي أشبه بعلب البيبسي المتشابهة في هيئتها، والتي لا تراعي الاختلافات الفردية بين الأفراد؛ فالكل يجب أن يتعلم لكي يعمل وينتج ويرفع «الناتج القومي» لبلده. وهناك من يرى بالمقابل أن التعليم يجب أن تكون غايته في إنسان ناضج ومستقل في تفكيره قادر على أن يجيب عن أسئلة المستقبل.

التوجه الأول توجه متمحور حول السوق. فمخرجات التعليم يجب أن تكون مرهونة بما يريده السوق وبالتالي فالتخصصات في الجامعات يجب أن تستجيب وتوائم متطلبات سوق العمل مهما كان شكل هذا السوق. هذا التوجه في التعليم يستلزم تبني «المفهوم المصرفي» – كما يسميه باولو فريري- كأداة أساسية أو إطار عام يصوغ العلاقة بين المعلم والمتعلم، فحسب هذا المفهوم يُنظر للطالب كحساب بنكي فارغ يقوم المعلم بملئه. التعليم المصرفي مفهوم يجعل المُعلم مالكاً لـ»المعلومة الصحيحة» والطالب مجرد مستقبِل لـ»المعلومة الصحيحة». فوظيفة المعلم باختصار هي في حشو المعلومات الصحيحة في ذهن الطالب. وهذا التوجه بلاشك يستلزم وجود هياكل سلطوية ومؤسساتية تدرب الطالب على الخضوع لها بصفتها التي تملك المعلومة الصحيحة أو النظرة الصحيحة للعالم.

أما التوجه الآخر فهو متمحور حول الإنسان. مخرجات هذا التوجه ليست مرهونة بالسوق ولا بالسلطة بل مرهونة بالفضول العميق الذي يقودنا نحو الاكتشاف. يسمي باولو فريري هذا التوجه بـ»المفهوم التبادلي». ففي هذا التوجه نجد أن العلاقة بين المعلم والطالب أفقية، فالمعلم يتعلم في نفس الوقت وكذا الطالب يُعلّم في نفس الوقت. فلا توجد هنا سلطة معرفية للمُعلم، بل إن الحوار المتبادل والمستمر بين الاثنين للوصول إلى «المعلومة الصحيحة» هو الأساس.

ربما يبدو التوجه الآخر ملائماً لمدينة فاضلة وليس لنظام التعليم في السعودية. ولكن هذا الافتراض خاطئ تماماً وليس قائما على التجارب الحية التي سبقتنا بها بعض الدول. باولو فريري بنفسه أحد أهم منظري التعليم في العالم اليوم طبّق كثيراً من نظرياته في الأحياء الفقيرة والمهمشة في البرازيل وباقي الدول اللاتينية، وأسهم كذلك مع منظمات عالمية في تطبيق أفكاره وتحويلها إلى واقع. في تجربة أخرى نجد مشروعاً اسمه Hole in the wall (ثقب في الجدار) للبرفسور الهندي سوقاتا ماترا يقوم على فكرة الاستقلال الكامل للأطفال في اكتشاف العالم من حولهم بدون وجود مُعلم بالمعنى التقليدي. اكتشف سوقاتا أن الأطفال في الشارع لديهم قدرات فائقة في تعليم أنفسهم الكمبيوتر (واللغة الإنجليزية ومهارات الرياضيات والعلوم وغيرها) بدون أدنى مساعدة أو تلميح ومن تجربته العفوية التي بدأها في التسعينات طور أنموذجاً مشهوراً وكتب عنه في كتاب بنفس العنوان يستحق المطالعة.

وختاماً قد يتخيل البعض أن مشكلة التعليم هي المشكلة الأهم التي يجب أن نواجهها ونسخر قدراتنا لها. ولكن الأمور ليست دوماً بهذه البساطة. ففي عصر الدولة الحديثة نجد أن التعليم جزء لا يتجزأ من المجتمع والدولة وأحمال الماضي والتي قد تحد من جدوى الإصلاحات الجذرية للتعليم. هذا ليس مدعاة للإحباط، بل إنه يعيدنا إلى صوغ أسئلة أكثر دقة، والبحث عن أجوبة أكثر عملية وملاءمة لواقعنا. على الأقل لنحدد ماذا نريد من التعليم قبل أن نفكر في كيفية إصلاحه. ولهذا فالبداية من الفلسفة والفلسفة فقط.

هل ستبكي الآلات يوماً؟

* نشر في مجلة القافلة

بين الخيال العلمي، وتكاثر الأشياء “الذكية” في حياتنا اليومية، ينجرف خيال البعض إلى تصور مستقبل تصبح فيه الآلات بذكاء الإنسان أو قادرة على التفكير والتعاطي مع الحياة كما يفعل عقل الإنسان. فما هي حقيقة هذا التصوّر، أو لنقل ماهي العوائق أمام الوصول إلى ذلك؟

إذا‭ ‬طلب‭ ‬إليك‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬تصف‭ ‬شكل‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الآلي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬تتخيله،‭ ‬فإنك‭ ‬لن‭ ‬تملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬آلة‭ ‬ذات‭ ‬ملامح‭ ‬بشرية‭!‬ مفاهيم‭ ‬الذكاء،‭ ‬والعاطفة،‭ ‬والوعي،‭ ‬كلها‭ ‬مقترنة‭ ‬بالطبيعة‭ ‬البشرية‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬ستُلصق‭ ‬قسراً‭ ‬بكيان‭ ‬آلي‭ ‬ما،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬الكيان‭ ‬سيكون‭ ‬أقرب‭ ‬للطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬التقنية،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ذكاء‭ ‬الإنسان‭ ‬متعدد‭ ‬الوجوه‭ ‬والمقاييس. ‬إن‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الصناعي‮»‬‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬مساحة‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬قرب‭ ‬الآلة‭ ‬من‭ ‬محاكاة‭ ‬طبيعة‭ ‬البشر‭ ‬المعقدة.. ‬هكذا‭ ‬فهمنا‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬ومن‭ ‬الأدب. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬نظري‭ ‬بحت،‭ ‬فإن‭ ‬تاريخ‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬الإخفاقات‭! ‬هكذا‭ ‬يتلخص‭ ‬موقف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬باحثي‭ ‬وعلماء‭ ‬الحاسوب‭ ‬حول‭ ‬تطور‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي.‬‭ ‬فقد‭ ‬توقع‭ ‬رائد‭ ‬علوم‭ ‬الحواسيب‭ ‬آلن‭ ‬تيورنغ‭ ‬في‭ ‬العام ‭ ‬1950م‭ ‬بأننا‭ ‬سنصل‭ ‬إلى‭ ‬آلات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬التفكير‮»‬‭ ‬ولديها‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬الإبداع‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬والصفات‭ ‬الشخصية‭ ‬كما‭ ‬للبشر‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬الآن؛‭ ‬لسنا‭ ‬متأخرين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬سنصل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬على‭ ‬الإطلاق. ‬وهذا‭ ‬مايجعل‭ ‬الإخفاق‭ ‬مضاعفاً‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نفهم‭ ‬بعد‭ ‬ماهية‭ ‬التفكير‭ ‬أصلاً. ‬ولكي‭ ‬نقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الموضوع ‭-‬ونجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬المقالة‭ ‬كذلك- ‬فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬زمنياً‭ ‬عدة‭ ‬عقود‭ ‬لنتعقب‭ ‬التوجهات‭ ‬الرئيسة‭ ‬داخل‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬والإدراك‭ ‬والحاسوب،‭ ‬كي‭ ‬نفهم‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭.‬

تركز‭ ‬سؤال‭ ‬ماهية‭ ‬التفكير‭ ‬مع‭ ‬ازدهار‭ ‬علوم‭ ‬الحواسيب‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬سؤال‭ ‬أبسط: ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬تمثيل‭ ‬معرفتنا‭ ‬وأفكارنا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬حولنا‭ ‬بطريقة‭ ‬رياضية‭ ‬منطقية؟‭ ‬توجّه‭ ‬البحث‭ ‬أولاً‭ ‬نحو‭ ‬العمليات‭ ‬الرمزية‭ ‬الصورية‭ ‬Formal Symbolic Process‭ ‬كطريقة‭ ‬لتمثيل‭ ‬معرفتنا‭ ‬عن‭ ‬العالم. ‬فعبارة‭ ‬مثل «‬There is a cat inside the hat- ‬هناك‭ ‬قط‭ ‬داخل‭ ‬القبعة‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬تمثيلها‭ ‬رياضياً‭ ‬بالشكل‭ ‬التالي‭:‬

3x‭ 3‬y‭ (‬x=cat‭, ‬y=mat‭, ‬inside(x,y‭))‬

ومعنى‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬أساسي‭ ‬جداً،‭ ‬فهي‭ ‬تعني‭ ‬حرفياً‭ ‬‮«‬هناك‭ ‬متغير‭ (‬x‭) ‬وهناك‭ ‬متغير‭ (‬y‭) ‬بحيث‭ (‬x‭) ‬يساوي‭ ‬قطة‭ ‬و‭(‬y‭)‬ يساوي‭ ‬قبعة‭ ‬و‭(‬x‭)‬ داخل ‭ (‬y‭)‬‮»‬. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭ ‬الرياضي‭ ‬يمت‭ ‬بأدنى‭ ‬صلة‭ ‬لـ«التفكير‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬قطاً‭ ‬داخل‭ ‬القبعة؟‭ ‬بالطبع‭ ‬الإجابة‭ ‬الواضحة‭ ‬هي‭ ‬لا. ‬لأن‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬قطة‮»‬‭ ‬و«قبعة‮»‬‭ ‬و«داخل‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬مجردة‭ ‬من‭ ‬سياقها‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬معانٍ‭ ‬مرتبطة‭ ‬ونظام‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬هذ‭ ‬السطر‭ ‬الرياضي. ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬التفكير‭ ‬البشري‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نتوصل‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬لربطها‭ ‬بكل‭ ‬مفاهمينا‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬مثلاً‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬القطة‭ ‬حيوان‭ ‬من‭ ‬الثديات‭ ‬لديها‭ ‬أربع‭ ‬قوائم‮…‬،‭ ‬وأن‭ ‬القبعة‭ ‬جماد‭ ‬ذو‭ ‬شكل‭ ‬مجوّف‮…‬،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬داخل‮»‬‭ ‬كلمة‭ ‬تصف‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬جسمين‭.‬

عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬المعلومات‭ ‬السياقية‭ ‬العامة ‭-‬التي‭ ‬نملكها‭ ‬بفعل‭ ‬خبرتنا‭ ‬ونشأتنا- ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬طموح‭ ‬بدأ‭ ‬في ‭ ‬1984م،‭ ‬يسمى‭ ‬سايك‭ ‬Cyc‭ ‬(من كلمة Encyclopedia)، ‬يسعى‭ ‬لإنشاء‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬منطقية‭ ‬ضخمة‭ ‬تضم‭ ‬كل‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملايين‭ ‬وحدات‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭ ‬هذه‭ ‬قد‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬الآلات‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬استنتاجات‭ ‬شبيهة‭ ‬باستنتاجاتنا‭ ‬بأن‭ ‬كاتب‭ ‬‮«‬حي‭ ‬بن‭ ‬يقظان‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬طوله‭ ‬8‭ ‬أقدام‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نلقي‭ ‬لها‭ ‬بالاً،‭ ‬مثل‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬الكتب‭ ‬إلاَّ‭ ‬البشر‭ ‬وبأن‭ ‬البشر‭ ‬أطوالهم‭ ‬لاتتجاوز‭ ‬8‭ ‬أقدام. ‬ولكن‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬جمّة -‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استمراره‭ ‬حتى‭ ‬اليوم- ‬فمثلاً‭ ‬‮«‬كل (‬فهد) ‬لديه‭ ‬أربعة‭ ‬قوائم‮»‬‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬دقيقة،‭ ‬فبعض‭ ‬الفهود‭ ‬ربما‭ ‬فقدت‭ ‬إحدى‭ ‬قوائمها (‬و«فهد‭ ‬الحازمي‮»‬‭ ‬يملك‭ ‬ساقين‭ ‬فقط). ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬عدّلنا‭ ‬العبارة‭ ‬لتصبح‭ ‬‮«‬غالبية‭ ‬الفهود‭ ‬لديها‭ ‬أربع‭ ‬قوائم،‭ ‬لكن‭ ‬بعضها‭ ‬يملك‭ ‬أقل‭ ‬بسبب‭ ‬الإصابات‮»‬‭ ‬فسنجد‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬كافة‭ ‬الافتراضات‭ ‬والظروف‭ ‬رياضياً‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬المهمة‭ ‬أقرب‭ ‬للمستحيلة‭.‬

إذن‭ ‬كيف‭ ‬نفكر‭ ‬بكل‭ ‬هذه‭ ‬الافتراضات؟‭ ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أدق‭ ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬صياغة‭ ‬استنتاجات‭ ‬آنية‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نملكها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لايتعدى‭ ‬أجزاء‭ ‬الثانية؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً‭ ‬على‭ ‬الإطلاق. ‬يقترح‭ ‬عالم‭ ‬الحواسيب‭ ‬والإدراك‭ ‬الشهير‭ ‬والفيلسوف‭ ‬دانيال‭ ‬دينيت‭ ‬وجود‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬‮«‬المسرح‭ ‬الديكارتي Cartesian Theatre»‬‬ داخل‭ ‬عقولنا‭ ‬وهو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬نصنع‭ ‬فيه‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نملكها. ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬الوعي‭ ‬والتفكير‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬لكل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬حضور‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬التفكير. ‬بالطبع‭ ‬لاتوجد‭ ‬منطقة‭ ‬محددة‭ ‬في‭ ‬أدمغتنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬شيئاً‭ ‬كهذا‭ ‬لكنه‭ ‬تشبيه‭ ‬مفيد‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التفكير‭ ‬كما‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬أدمغتنا. ‬بالطبع‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬علينا‭ ‬الدافع‭ ‬لاقتراح‭ ‬مفهوماً‭ ‬كهذا،‭ ‬فنحن‭ ‬نتصرف‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬كائنات‭ ‬عقلانية‭ ‬مُفكرة. ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬بالعمليات‭ ‬البيولوجية‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا‭ ‬ولا‭ ‬بكمية‭ ‬التعقيد‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الهائلة‭ ‬داخل‭ ‬خلايانا‭ ‬العصبية. ‬نشعر‭ ‬فقط‭ ‬بزمن‭ ‬خطي‭ ‬وتتوالى‭ ‬علينا‭ ‬الأفكار‭ ‬كسلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭.‬

دفع‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والعلماء‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتفكير‭ ‬والوعي‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬كشف‭ ‬سر‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬البشر،‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الشهير‭ ‬رينيه‭ ‬ديكارت‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا. ‬تكشف‭ ‬البحوث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬ديناميكية‭ ‬ذات‭ ‬مرونة‭ ‬عالية‭ ‬للدماغ،‭ ‬بحيث‭ ‬يستحيل‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬محدد‭ ‬بوصفه‭ ‬مكاناً‭ ‬للتفكير‭ ‬أو‭ ‬الوعي‭ ‬أو‭ ‬الذاكرة. ‬فهناك‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تولد‭ ‬بمناطق‭ ‬مفقودة (‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التفكير) ‬ولكن‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬يتصرفون‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬تماماً‭ ‬بفضل‭ ‬المرونة‭ ‬العصبية‭ (‬Neuroplasticity‭) ‬التي‭ ‬تعوّض‭ ‬وظائف‭ ‬مناطق‭ ‬الدماغ‭ ‬المفقودة‭ ‬أو‭ ‬الوظائف‭ ‬المتعثرة. ‬فما‭ ‬دمنا‭ ‬عاجزين‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬آلية‭ ‬مفهومة‭ ‬نمارس‭ ‬بها‭ ‬التفكير،‭ ‬فهل‭ ‬سيمكن‭ ‬أن‭ ‬نتقدم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬آلات‭ ‬تفكر؟

ربما‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬آلن‭ ‬تيورنغ. ‬حيث‭ ‬اقترح‭ ‬في ‭ ‬1936م‭ ‬آلة‭ ‬مشهورة‭ ‬بآلة‭ ‬تيورنغ‭ (‬Turing Machine‭) ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬شريط‭ ‬طويل‭ ‬وذراع‭ ‬كاتبة‭ ‬وقوانين‭ ‬محددة‭ ‬لطباعة‭ ‬حالتين‭ ‬منطقيتين (‬1 ‬أو 0) ‬فوق‭ ‬أجزاء‭ ‬الشريط. ‬آلة‭ ‬تيورنغ‭ ‬البسيطة‭ ‬هذه‭ ‬تستطيع‭ ‬إجراء‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬رياضية‭ ‬معرفة‭ ‬في‭ ‬خطوات‭ ‬محددة‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬تعقيدها،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬تمثّل‭ ‬المبدأ‭ ‬الرياضي‭ ‬الأساسي‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬الحواسيب‭ ‬اليوم. ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأكبر‭ ‬حقاً‭ ‬وراء‭ ‬آلة‭ ‬تيورنغ؟‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬إثباته‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬معينة‭ ‬مرتبة‭ ‬بطريقة‭ ‬محددة‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالرموز‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬دلالية. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬اتصالاً‭ ‬بسياق‭ ‬موضوعنا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬أدمغتنا‭ ‬تشبه‭ ‬الحواسيب‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬أنظمة‭ ‬معقَّدة‭ ‬مصممة‭ ‬تولد‭ ‬المعاني‭ ‬الدلالية‭ ‬عبر‭ ‬التلاعب‭ ‬بالرموز. ‬عندها‭ ‬ربما‭ ‬سنتجاوز‭ ‬مشكلة‭ ‬تعريف‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬مشكلة‭ ‬المعنى‭ ‬لتتحول‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬القواعد‭ ‬الكلية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬سلوك‭ ‬الدماغ‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الآلة‭ ‬اللحمية‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬مورفن‭ ‬مينيسكي‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬سوى‭ ‬محور‭ ‬مايسمى‭ ‬بالثورة‭ ‬الإدراكية‭ ‬التي‭ ‬أشعلها‭ ‬عالم‭ ‬اللغويات‭ ‬نعوم‭ ‬تشومسكي. ‬ففي‭ ‬مطلع‭ ‬الستينيات‭ ‬أطلّ‭ ‬تشومسكي‭ ‬بفكرة‭ ‬ثورية‭ ‬تتلخص‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬القواعد (‬أو‭ ‬النحو) ‬فقط‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬التفكير‮»‬‭ ‬أو‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬المعنى‮»‬‭. ‬حيث‭ ‬ادعى‭ ‬تشومسكي‭ ‬بأن‭ ‬القواعد‭ ‬النحوية‭ ‬يمكن‭ ‬تمثيلها‭ ‬صورياً‭ ‬بلغة‭ ‬منطقية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬مسألة‭ ‬حوسبية‭ ‬وكونيّة‭ ‬كذلك‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬البشر‭ ‬بحكم‭ ‬المحددات‭ ‬الجينية. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بالمقابل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نظرياته‭ ‬‮«‬رمزية‮»‬‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مستوى‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الكلية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الكلمات‭ ‬والمصطلحات‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬حيث‭ ‬بزغت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬Subsymbolic Approaches‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مؤثرة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا. ‬تتخلص‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬تمثيل‭ ‬المعرفة‭ ‬رياضياً‭ ‬بشكل‭ ‬كلي. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬حقن‭ ‬الآلة‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمعارف‭ ‬الطبيعية‭ ‬بشكل‭ ‬رياضي‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تفكر‮»‬‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬التفكير‭ ‬البشري،‭ ‬تتبنى‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬نحاول‭ ‬جعل‭ ‬الآلة‭ ‬تتصرف‭ ‬بذكاء‭ ‬تحت‭ ‬ظروفها‭ ‬المتاحة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نهتم‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الكود‭ ‬البرمجي‭ ‬ذو‭ ‬علاقة‭ ‬بطريقة‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬البشر‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬الآلة‭ ‬تفكر‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بطريقة‭ ‬تشبه‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تتصرف‭ ‬أمامنا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬وتعطي‭ ‬نتائج‭ ‬تشبه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نتائج‭ ‬التفكير‭ ‬البشري‭.‬

هجرت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬اعتبار‭ ‬المعرفة‭ ‬كنقطة‭ ‬بداية‭ ‬للتفكير. ‬فخلافاً‭ ‬لتشومسكي،‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬إن‭ ‬القواعد‭ ‬النحوية‭ ‬محددة‭ ‬ومُكيّفة‭ ‬بقيود‭ ‬بيئية‭ ‬سياقية‭ ‬وعضوية،‭ ‬وليست‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الحوسبية‭ ‬المُضمنة‭ ‬داخل‭ ‬الدماغ‭ ‬مسبقاً‭. ‬لايمكن‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬قوانين‭ ‬صورية‭ ‬منطقية‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬متطلبات (‬أو‭ ‬شروط) ‬بيئية‭ ‬تفرضها‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق. ‬الفرضية‭ ‬الأساسية‭ ‬خلف‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬حول‭ ‬أدمغتنا‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬اللغة‭ ‬والسلوك‭ ‬توجد‭ ‬فقط‭ ‬ضمن‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬مستقل،‭ ‬وتكتسب‭ ‬المعاني‭ ‬قيمتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفاعلها‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق. ‬فلكي‭ ‬نستخدم‭ ‬اللغة‭ ‬فنحن‭ ‬نستخدمها‭ ‬لغرض‭ ‬محدد‭ ‬ولكي‭ ‬نتصرف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬فنحن‭ ‬نتصرف‭ ‬لغاية‭ ‬محددة. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لاستخراج‭ ‬قواعد‭ ‬كلية‭ ‬عامة‭ ‬لن‭ ‬تنجو‭ ‬من‭ ‬الاستثناءات،‭ ‬فالبيئة‭ ‬والسياق‭ ‬يتغيران‭ ‬باستمرار‭ ‬ويفرضان‭ ‬متطلبات‭ ‬متغيرة‭ ‬تبعاً‭ ‬لذلك. ‬فبدون‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬الدافع‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الهدف‭ ‬المحدد‭ ‬المتعلق‭ ‬بالبيئة‭ ‬والسياق‭ ‬يبدو‭ ‬تمثيل‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬الآلة‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬فائدة‭.‬

حضرت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الخمسينيات‭ ‬وبداية‭ ‬الستينيات‭ ‬ولكنها‭ ‬ظلّت‭ ‬مستبعدة‭ ‬ومتأخرة‭ ‬لسنين‭ ‬طويلة‭ ‬لأن‭ ‬نتائجها‭ ‬كانت‭ ‬كارثية‭ ‬للغاية و‬أسوأ‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬التوجهات‭ ‬الرمزية. ‬في‭ ‬عام‭ ‬1957م‭ ‬اقترح‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬الشهير‭ ‬فرانك‭ ‬روزنبلات‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬البيرسبترون Perceptron» ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬خوارزمية‭ ‬ذاتية‭ ‬التغذية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬بشكل‭ ‬بسيط‭ ‬للغاية. ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬سمي‭ ‬لاحقاً‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الاتصالية ‬Connectionism» ‬و«الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الصناعية ‬Artificial Neural Networks» ‬‬وكان‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬والأعصاب‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬فهم‭ ‬الإدراك‭ ‬عند‭ ‬البشر. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات‭ ‬تعرَّض‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لنقد‭ ‬عنيف‭ ‬للغاية‭ ‬يرأس‭ ‬حربته‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬الحاسوب‭ ‬المناصرين‭ ‬للتوجه‭ ‬الرمزي‭-‬مورفن‭ ‬مينسكي- ‬بحيث‭ ‬خبا‭ ‬نجم‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬والتوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬عموماً‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬جداً‭ ‬امتدت‭ ‬لعقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن. ‬تخلل‭ ‬هذا‭ ‬السبات‭ ‬عودات‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬تيرانس‭ ‬سيجونسكي -‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬الأعصاب‭ ‬الحاسوبية‭ ‬اليوم- ‬مستلهمة‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحيوية‭ ‬والجينية‭ ‬المعقد‭ ‬للغاية‭ ‬والذي‭ ‬يتطور‭ ‬في‭ ‬تعقيده‭ ‬متفاعلاً‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬بقدرة‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬السلوك‭.‬

اليوم‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نظريات‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬تحوز‭ ‬نصيب‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي. ‬ففي‭ ‬أنواع‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬خطا‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬لها‭ ‬نظريات‭ ‬التوجهات‭ ‬الرمزية. ‬وهذا‭ ‬النجاح‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاعتناء‭ ‬إطلاقاً‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الآلة‭ ‬‮«‬تعرف‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تفهم‮»‬‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬تعالجها. ‬لا‭ ‬تتطور‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬بسبب‭ ‬فهم‭ ‬أفضل‭ ‬لطبيعة‭ ‬المشكلة‭ ‬على‭ ‬الطاولة،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬مواءمة‭ ‬الخوارزميّة‭ ‬للبيئة‭ ‬أو‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬تتعامل‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬المشكلة. ‬فهي -‬بعبارة‭ ‬أخرى- ‬أشبه‭ ‬بصناديق‭ ‬معتمة‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬مايحصل‭ ‬بداخلها،‭ ‬ولكنها‭ ‬حققت‭ ‬نجاحات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬مثل‭ ‬تحليل‭ ‬البيولوجيا‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وتحليل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وغيرها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬ملائمة‭ ‬أكثر‭.‬

أحد‭ ‬أشهر‭ ‬التطبيقات‭ ‬الناجحة‭ ‬للتوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬هو‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الصناعية،‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬تمييز‭ ‬الوجوه‭ ‬والصور‭ ‬والأصوات‭ ‬وفي‭ ‬القيادة‭ ‬الذاتية‭ ‬للسيارة. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬تمثيل‭ ‬للمفاهيم‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬والعوامل‭ ‬التي‭ ‬تستعملها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الصور‭ ‬مثلاً‭ ‬تتوالد‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬نفسها. ‬فلكي‭ ‬تميز‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الصور‭ ‬الإباحيّة‭ ‬من‭ ‬سواها،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تعتمد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬أجزاء‭ ‬جسدية‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬خصائص‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬سيطرة‭ ‬طيف‭ ‬لوني‭ ‬محدد‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬مثلاً‭.‬

بينما‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬يعود‭ ‬لنا‭ ‬سؤال‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬تقدِّم‭ ‬لنا‭ ‬أي‭ ‬تلميحات‭ ‬بخصوص‭ ‬عملية‭ ‬التفكير. ‬قد‭ ‬توحي‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬بأنه‭ ‬ربما‭ ‬لايوجد‭ ‬أي‭ ‬سر‭ ‬هائل‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ليست‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يوحي‭ ‬بها‭ ‬حديثنا‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬والوعي. ‬المسرح‭ ‬الديكارتي‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬لايبدو‭ ‬سوى‭ ‬تجريد‭ ‬مفيد‭ ‬لنا‭ ‬يمكننا‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬للأمر‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭ ‬حيث‭ ‬يلخص‭ ‬عمليات‭ ‬بيولوجية‭ ‬معقدة‭ ‬جداً‭ ‬لا‭ ‬ندرك‭ ‬منها‭ ‬شيئاً،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬دلائل -‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم- ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬هكذا‭ ‬مسرح‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا. ‬النماذج‭ ‬الجديدة‭ ‬والمتقدمة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬تهمس‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬إحساسنا‭ ‬بوجودنا‭ ‬بما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬تفكير‭ ‬ومشاعر‭ ‬ربما‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أفكارنا‭ ‬فحسب؛‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أدمغتنا. ‬

الآلات‭ ‬والحال‭ ‬كذلك‭ ‬ينتظرها‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشاركنا‭ ‬نِعم‭ ‬الأمل،‭ ‬الألم‭ ‬والشك‭. ‬إنها‭ ‬لن‭ ‬تذرف‭ ‬الدمع‭ ‬فرحاً‭ ‬أو‭ ‬حزناً‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭.

لماذا يرى العلماء أنفسهم جهلاء؟

* نشر في صحيفة مكة

لا أكاد أسمع لأحد كبار العلماء والباحثين يتحدث في مجاله إلا ويتبادر في ذهني هذا السؤال، لماذا يبدون متواضعين وحذرين جداً في أحكامهم مع أن قدر المعرفة لديهم أكبر بكثير من غالبية الناس؟ وبالمقابل تجد كثيرا من المُتعالمين والأدعياء يتحدثون في ذات المواضيع بثقة تامة ومطلقة ويطلقون أحكامهم بكل تأكيد وحزم؟ دار هذا السؤال في بالي كثيراً وهو في حقيقته ليس أكثر من سؤال الفرق بين العالِم الحقيقي والمُتعالم (أو الجاهل).

يميل الفرد إلى الإيمان الزائد بقدراته ومعرفته في كثير من الشؤون الحياتية والاجتماعية. هذا التقدير المُبالغ فيه لمعرفته يتضمن مسألتين: يتوصل هذا الفرد دائماً إلى استنتاجات خاطئة أو يتبنى خيارات مغلوطة، وأكثر بلاءً من ذلك أن جهلهم هذا يعيقهم عن تقدير ضعف معرفتهم، (أو عن معرفة جهلهم الشديد). جرب أن تسأل أحد المهتمين بشكل بسيط في أي مجال وليكن في العلوم، ستجد أنه يجيبك عن سؤالك ولكنه في ذات الوقت غير قادر على تقدير سطحية جوابه وسخافته. وإذا كان هذا الأمر في العلوم والتي قد يبذل فيها الفرد بعض الاهتمام، فماذا يمكن أن يقال عن الشؤون السياسية والحياتية؟ هذا الفرد ليس فلان هناك البعيد، بل كلنا هذا الفرد. كلنا -وبمجرد اهتمامنا بمجال معين- لا نحب أن نظهر فيه بمظهر الجاهل الذي لا يعرف شيئاً رغم أنك تجد في هذا المجال من أفنوا أعمارهم وأوقاتهم لفهمه والتعمق والاحتراف فيه.

المفارقة المضحكة في الموضوع هي أن أحد أهم وأوضح معالم قلة الكفاءة هو الجهل بقلة الكفاءة، الجهل بحجم الجهل. وحتى يكون حديثي أكثر وضوحاً فسأسرد تجربة عملية أجراها كل من جستن كروجر وديفين ديننج من جامعة كورنيل الأمريكية نشروها لاحقاً في ورقة عنوانها «لا يملكون المهارة ولا يدركون ذلك: كيف تقود صعوبة إدراك عدم كفاءة الفرد إلى تقييم متضخم لذاته». حيث تبدأ الورقة بالحديث عن أن ذات المعرفة أو المهارات التي نحتاجها لإطلاق أحكام صحيحة أو أداء الحرف بطريقة صحيحة هي ذات المهارات التي نستعين بها على تقييم المخرجات. وهذا قد يبدو حديثاً بديهيا. لكن غير البديهي هو كيف أن الأفراد حتى على الرغم من افتقادهم للمعرفة الكافية لإطلاق الأحكام الصحيحة في مجال ما قادرون على الحديث بثقة عالية في ذات المجال. ففي إحدى الاختبارات (عن الاستنتاج المنطقي) في هذه الورقة، تجد أن متوسط تقييم الأفراد لأدائهم في الاختبار كان ٦٦٪. أي أن الكل يعتقد أنه يملك من المعرفة في الاستنتاج المنطقي أفضل بقليل من المتوسط (والذي سيكون خمسين بالمئة). لكن العجيب أن أسوأ العينة أداءً كانوا الأكثر ثقة في معرفتهم بالاستنتاج المنطقي (حيث قيّموا قدراتهم أفضل من %68 من الآخرين) وتوقعوا أن درجاتهم في الاختبار لن تقل عن %62 من أفراد العينة الآخرين في نفس الوقت الذي كانوا فيه أسوأ العينة أداء. في نفس الوقت نجد أن أفضل العينة أداءً والذين أحرزوا درجات أفضل من %90 من أفراد العينة قيّموا قدراتهم بشكل أقل من مستواهم الفعلي. هذه تجربة واحدة من أصل ٤ اختبارات متتابعة في مجالات مختلفة يذهلك فيها تكرار هذا النمط من الفجوة بين الاعتقاد والأداء الفعلي.

ما هو السبيل إذن حتى نهرب من هذا الفخ الصعب؟ أن نتحدث فيما نعرف فقط؟ ليس كذلك فهذا لن يفيد لأننا سنعتقد أننا نعرف ما يكفي دوماً. تستعرض ذات الدراسة أنهم أقاموا دورة تدريبية قصيرة في إحدى المهام لتعرفهم على أبرز المهارات والطرق، وحين اختبروا مرة أخرى تجد أنهم أصبحوا الآن أكثر تواضعاً فقد انخفضت توقعاتهم عن أدائهم بشكل كبير لأنهم يعرفون الآن حجم ما يجهلونه. وهذا بالضبط هو العلاج الناجع للجهل والذي ورثناه من حكمة الأولين: المزيد من التعلم من الأخطاء والاستعداد للتصحيح. ليس لغرض العلم ذاته بقدر ماهو لغرض العلم بمقدار ما نجهله..

ولعلنا نتحدث قليلاً عن كيفية التعامل مع المُتعالم الذي يدعي أنه يعلم وأنت تدرك تماماً أنه لا يعلم. يفضل البعض أسلوب تفجير الفقاعة مباشرة في وجه المُتعالم. لكن هذا الأسلوب قد لا يبدو ناجعاً خصوصاً لو كان هذا المتعالم صاحب لسان واستطاع بشكل ما أن يكسب الموقف ويعزز التصور المغلوط عنه عند الآخرين. كما أننا كنا يوماً ما في موقف هذا المتعالم حيث دافعنا عن فكرة أو رأي لم نتحقق منه جيداً ودخلنا في نقاش حوله ونحن لا نفقه فيه ما يكفي. ويفضل آخرون أسلوباً أراه أكثر نجاعة، وهو في مسايرة المتعالم والانطلاق معه ثم توضيح ما يجهله خطوة خطوة حتى تكسبه في صفك. ولا شك أن هذا الأسلوب ناجع لأن المُتعالم لن يحتمل التمسك بموقفه حينما يرى من هو أعلم منه يريه مقدار جهله.

برتراند راسل تحدث مرة عن العواقب الوخيمة لعجز العارفين وتشككهم وجلد الساذجين وجرأتهم، حيث قال «الوحيدون الذين تبقى لديهم آراء إيجابية هم هؤلاء الأغبياء جداً الذين لا يعرفون متى تكون آراؤهم سخيفة.

وبالتالي فالحمقى يحكمون العالم». فلا عجب أن يتجاهل قادة العالم المشكلات التي تحيق بمستقبل البشرية كالتلوث البيئي أو أن يعجزوا عن حل الكوارث السياسية، فالحمقى هم الأقدر على القرار والتنفيذ ولذلك حكموا العالم.

عن الانحياز الذي لا مناص منه

* نشر في صحيفة مكة

لا يوجد شيء نفر منه أثناء تفكيرنا ونقاشاتنا مثل الانحياز: الانحياز للأشخاص، الانحياز للجماعة، الانحياز للمشاعر، وما إلى ذلك. لأن الانحياز يُعمي البصيرة عن الحجة المطروحة ويجعلنا نرى بنظارات لا تعكس طبيعة الأشياء كماهي في الواقع. وربما سمعت من يزعم بكل ثقة بأنه “متحيز للحقيقة” فحسب ولا يبالي بكل ماعداها. التخلص من الانحياز أو تجنبه بقدر المستطاع بدون شك مهارة قوية نطمح لاكتسابها. إذا لايوجد عاقل يرضى أن يكتشف في نهاية الأمر بأنه ضحية لنظاراته المخادعة التي لم تعكس الأشياء كما هي.

ولكن هل التخلص من الانحياز مهمة يسيرة ؟ لنجيب عن هذا السؤال سنعود عقوداً للوراء ونراجع سريعاً ما كتبه الباحثون في الاقتصاد وعلوم النفس عما تصوروه نحو مفهوم العقلانية في السياق الاقتصادي والاجتماعي والسلوكي، والتي انبثق منها لاحقاً أحد فروع الاقتصاد فيما يسمى “علم الاقتصاد السلوكي”.

النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني نموذج مهم ومركزي في دراسات الاقتصاد. وفي جوهره يدور حول رفع المنفعة الذاتية المتوقّعة. فحينما يقبل الفرد على اختيار الخيار “العقلاني” فهو يقيّم جميع الخيارات المطروحة ويختار على ضوء هذا التقييم الخيار الذي يرفع منفعته لأقصى حد. ولكن هذا النموذج الكلاسيكي يفترض أن الفرد قادر على التقييم بموضوعية وبدون انحياز. وعلى الرغم من التعديلات اللاحقة على النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني، إلا أن أياً من التعديلات لم يصمد أمام برنامج البحث الذي اقترحته أبحاث العالمين النفسيين دانيال كنمان وآموس تفيرسكي الثورية حول الحدس والانحيازات عبر ورقتهم الشهيرة المنشورة عام 1974 والتي قادت كنمان للفوز بنوبل عام 2002 في فرع الاقتصاد!

كما هو واضح من عنوان الورقة “الأحكام في ظل الحيرة: الحدس والانحيازات” فالورقة تهدف للتشكيك في قدرة الفرد على الحُكم العقلاني في ظل عدم اليقين أو بمعنى آخر في سياق الحياة الواقعية. حينما نتخذ الأحكام اليومية عن الأشياء والأشخاص والحوادث فنحن لا نكتب معادلات إحصاء معقدة لنصل إلى حكم دقيق عما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أم لا. قدرتنا على اتخاذ الأحكام الموضوعية في سياق الحياة الواقعية محشورة في كم هائل من الانحيازات، لماذا ؟ علينا أن ندرك أولاً أن الانحياز ليس سيئاً في كل الأحوال. فهو يسرّع عملية المعالجة المباشرة للمعلومات اليومية عبر “اختصارات حدسية” توفر عنا الكثير من الوقت والجهد. وهنا نجد الدور التطوري لهذا الحدس حيث أنه يعني بكل بساطة أن مواردنا العقلية محدودة وأن علينا أن نستخدمها بأعلى كفاءة أمام تحدي البقاء ومن هنا لا مناص من “الاختصارات” أو الأحكام السريعة المبنية على الحدس. في بعض الأحيان، نجد أن في داخلنا حدس خفي مبني على تجاربنا السابقة يخبرنا بأن الشخص الذي أمامنا يكذب أو أنه مريض أو ما إلى ذلك. هذا الحدس مهم جداً وكثيراً ما يكون صادقاً ولكن الجدير بالذكر أنه ينبثق من دواخلنا دون وعي. لا نملك عملية حسابية نجريها لنعرف ما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أو مريض أو ما إلى ذلك.

الزبدة هنا هي أن الانحياز والاختصارات الحدسية ليست “انحرافاً” عن التفكير السليم، بل هي نظام للتفكير “السريع” نحلل به ونتعامل من خلاله مع القدر الهائل من المعلومات اليومية. الصورة ليست بهذه القتامة، فنحن بالمقابل قادرون على التفكير بشكل منظم ومنهجي عبر خطوات محددة (فكر مثلا في ناتج 45 x 12 بدون استخدام الآلة الحاسبة) فيما يسمى بنظام التفكير “البطيء”. يعمل الدماغ البشري بتفاعل دقيق ومعقد بين هاتين المنظومتين في شد وجذب يشكلان أبرز وأروع قدراتنا الإدراكية وكذلك أبرز عيوبنا في نفس الوقت. وقد لخص دانيال كنمان في كتابه المبهر الصادر عام 2011 بعنوان “التفكير السريع والتفكير البطيء” أبحاثه وأبحاث زملائه التي توضح الدور اليومي والمصيري لهاتين المنظومتين والتفاعل المعقد بينهما.

الانحياز بالمجمل إذن داخل في تكويننا ويخدمنا بشكل يجعل عملياتنا الإدراكية أكثر كفاءة ومرونة. لا يمكن التخلص منه مهما ادعى الفرد أنه منحاز للحقيقة والحقيقة فقط. إذن أن الخلل إن سلم منه تفكيره فلن تسلم منه قنواته الحسية والإدراكية التي يستقي من خلالها معارفه عن العالم الخارجي. هل هذا يعني أن الحقيقة معدومة وأننا نعيش في عالم مليء بالفوضى والذاتية فقط ؟ بدون شك ليس الأمر كذلك. لأننا نعرف أن العقل كذلك يلعب دوراً أساسياً في حركة التاريخ وفي حياة المجتمعات. هناك حد أدنى من عمليات التبرير والتي نجد فينا ميلاً -قد لا نستطيع فهمه- للخضوع لها وتبنيها وبناء معارفنا الأخرى عليها. نرى العالم اليوم يستبشع “القتل” بشكل أكبر بكثير – بل قد لا يقارن- بما كان قبل قرون طويلة حيث البربرية والوحشية في القتل والعنف هي الموقف السائد. ونفس المنحنى المتصاعد ينطبق على مفاهيم وممارسات كثيرة مثل قدسية الحياة والحقوق الأساسية والرق وما إلى ذلك. فالحجج القوية والمقنعة -والتي ستؤثر في معارفنا وأحكامنا في نهاية المطاف- مهما كانت مقموعة ومخفية في المجلدات إلا أنها ستجد طريقها إلى الحياة والسيادة طال الوقت أم قصر.

ختاماً، نزعتنا الطبيعية لارتكاب الأخطاء في التفكير واتخاذ الأحكام تقابلها نزعات أخرى في تحري الاتزان والانسجام. فكما أن الصورة ليست بتلك القتامة إلا أنها ليست بتلك الوردية التي كثيراً ما نخدع بها أنفسنا ونخدع الآخرين معنا.

لماذا العنصرية ضد الأجانب؟

* نشر في صحيفة مكة

كتب أحدهم في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) قبل أيام قليلة -وبلغة فجة وعنصرية- عن إحدى الجنسيات العربية بصفتها تسرق خيرات بلدنا ثم تسافر لأمريكا وأوروبا لتتنعم بأموالها هناك آخر حياتها. وبغض النظر عما كتبه -والذي أعتبره فجاً ووقاحة- إلا أن هذا الأسلوب في التعميم والتصنيف نجده يتكرر من عقود قديمة ولعل آخر شواهده ما قرأناه في حملة القبض على الإثيوبيين وغيرها وغيرها. والأمر لا يقتصر بالطبع على التصنيف الخارجي بل لا تكاد تحصر التصنيفات الداخلية والتي تخضع كلها لعلاقات الفرد مع جماعته وموقع جماعته من الإعراب. هل هذه ظاهرة فريدة وخاصة بمجتمعنا ؟ وهل هي قبيحة بالضرورة؟

ظاهرة التصنيف ليست فريدة بمجتمعنا حيث نجد التصنيف ظاهرة كونية في كل البشر وبألوان مختلفة. سواء اتجهت شرقاً أو غرباً ستجد في كل مجتمع طيفا من التصنيفات التي تعطي فكرة جيدة ودقيقة عن نظرة أفراد هذا المجتمع للعالم من حولهم وتعاملهم معه. فالتصنيف كممارسة يعطينا معلومات قيمة جداً. «النساء والحريق والأشياء الخطيرة» هو عنوان كتاب معروف للعالم الإدراكي جورج لاكوف وهو مستلهم من تصنيف لإحدى القبائل البدائية للطبيعة حولها حيث تضع كل هذه الثلاثة أشياء تحت تصنيف واحد!

فلماذا يندفع البشر لتصنيف الآخرين في بداية المطاف، ولماذا يتطور هذا التصنيف لاحقاً إلى ممارسة للعنصرية ضد الأفراد؟ البشر بحاجة للتصنيف لسببين:

أولاً لإشباع شعورهم بالراحة النفسية خاصة إن كان التصنيف يتضمن حكماً. فهذه الوسيلة للشعور بالراحة النفسية لا تتطلب جهداً ولا وقتاً ولا نصيباً من التفكير والبذل. بل هي وسيلة عديمة الثمن وذات كفاءة عالية في تحقيق هذه الغاية. فوصف الناس بالغباء أو الجهل أو البلادة أسهل بكثير من دراسة حالة كل فرد من هؤلاء الناس وتقييمه ومن ثم الخروج بمتوسط ما يخبرنا بمدى ملاءمة الشريحة لهذه المعايير، وإضافة إلى ذلك فنحن لا نضمن نتيجة هذا المسح حيث يمكن أن يخالف مضمون التصنيف.

أما السبب الثاني وهو الأهم فهو تنقية المعلومات اللانهائية التي تمكننا من التعامل مع العالم الخارجي، ولو كانت المعلومات مشوشة. نحن كائنات محدودة الجهد والوقت والطاقة وليس في مقدورنا أن نقوم بدراسة كل حالة من حالات العالم من حولنا بموضوعية واستقلالية. فمن هنا نضطر للبحث في العموميات وإسقاطها على الجماعات لكي يتسنى لنا التعامل معهم بقوانين وبروتوكولات واضحة. لا نبالي كثيراً إن ارتكبنا الأخطاء في التصنيف والتي قد تكون أشبه بأخطاء أمين المكتبة حين يضع بعضاً من الكتب الجيدة تحت التصنيف غير المناسب، فهذا لن يدمر سمعة المكتبة بحال. فهذا يعني أن التصنيف لأجل تنقية المعلومات أيضاً وسيلة فعالة للتعامل مع عالم بالغ التعقيد لا يستطيع فيه الفرد بمفرده اكتشافه بالكامل.

التصنيف إذن في الأساس هو جزء من بشريتنا وطبيعتنا ويحصل دوما سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك. ويزداد الأمر أهمية حين نرى الفرد ككائن اجتماعي يحمل هويات متعددة تشمل معه جماعة من البشر حوله. فقد يكون هذا الفرد جنوبياً وسعودياً وعربياً ومسلماً وينتمي لقبيلة ومدينة ولديه أصدقاء من صنف محدد وما إلى ذلك. كل هذه الأوصاف تمثل مجموعات ينتمي لها الفرد ويستقبل في نفس الوقت معارفه من خلالها. لا شك أن الخبرة والتعلم تعدل قليلاً من أثر كل مجموعة في معارف الفرد لكنه في النهاية لن يبقى كائناً محايداً مجرداً.

إذن كيف ينتقل التصنيف إلى حالة عنصرية كريهة وتعميم للصفات السيئة على الآخرين؟

في الحقيقة كما أننا لا نستطيع أن نتخلص من التصنيف كعملية لاواعية، فنحن لا نستطيع التخلص من العزو (Attribution) كذلك. وحينما أتحدث عن العزو فأعني ما نفعله حينما نطبق الصفات الشخصية على الآخرين من خلال تفاعلنا معهم سواء بشكل مباشر أو عبر الجماعة. ففلان من الناس منفتح أو جلف أو غبي أو مبدع لأننا شاهدنا في أكثر من مناسبة ما يجعلنا نوسمه بذلك حتى لو كانت معرفتنا به وبظروفه التي دفعته للتصرف على هذا النحو ضئيلة أو معدومة. نمارس العزو حتى من قراءة خبر عابر عن أب يضرب ابنته مثلا لنتخيل أنه أب قاس وغير متعلم ونحن لا رأينا الأب ولا عرفنا أي تفاصيل قريبة من الحادثة. ليس بالضرورة أن يكون العزو خاطئاً بل هو أيضاً له وظيفة مهمة وهي اختصار الوقت والجهد في معالجة المعلومات التي تأتينا من العالم حولنا بأفضل طريقة ممكنة.

حين تسيطر علينا الرغبة في إشباع شعورنا بالرضى الذاتي نقوم بعزو صفات دونية على تلك الجماعات المختلفة عنا. قليلاً ما تجد من يصف أسرته مثلا بأوصاف قبيحة على نفس الطريقة التي يصف بها الجماعات الأخرى لأنه عاش الظروف ذاتها. ولكن في نفس الوقت ستجد بكل سهولة من الآخرين من يحتقر هذه الأسرة بناء على صفات يراها ثابتة فيها. لا يمكن أن يصدر هذا الفعل من حالة إنسانية سامية تتفهم اختلاف حال الإنسان وتلون ظروفه وتأثير مجتمعه في طريقة تفكير الأفراد وسلوكهم.

لذلك لا يوجد علاج ناجع للعنصرية ضد الأجانب أو ضد أي جماعة مختلفة إلا بلعبة تقمص الأدوار. والتي تتلخص في الحكمة الشعبية القائلة «لا تستطيع أن تفهم إنسانا حتى تمشي في حذائه» أو بعبارة أخرى حتى تتخيل نفسك تنشأ في نفس ظروفه وبتفاصيلها المختلفة ثم ترى كيف أن هذا الآخر الذي تحتقره ليس سوى إنسان مثلك تماماً بكل ما فيه، وأن كل الصفات السيئة فيه غالباً ما تجدها منعكسة فيك وفي جماعتك؛ ولكنها عين الرضا وعين السخط.

كلنا أشرار ولكن لم نعرف ذلك بعد

* نُشر في صحيفة مكة.

لم تمض أسابيع قليلة على حادثة تفجير مستشفى العرضي في اليمن والذي تبنته جماعة القاعدة.. نتخيل أحياناً أن هناك فئة “أخرى” من البشر قلوبهم سوداء مليئة بالحقد والبطش وينتظرون أقرب الفرص ليقتنصوا ضحاياهم الأبرياء لتحقيق أهدافهم السياسية. ذكرتني حادثة مستشفى العرضي بفضائح التعذيب التي تصدر من السجون حيث يوصف الجنود الذين يقومون على التعذيب بأنهم كذلك عديمو الإنسانية. إذ كيف يجرؤون على تعذيب الضحايا وكيف يتحملون كل تلك الصور والمناظر البشعة لما اقترفته أيديهم ؟ ولن أستمر في سرد الأمثلة فكلنا نستحضر العديد منها. قد يتطرف البعض ويعتقد أن هؤلاء ليسوا بشراً فالإنسان لايمكن أن يكون بهذه القسوة. ولكن هل هم فعلاً على حق ؟ ليس تماماً.

ستانلي ميلغرام -عالم النفس الأمريكي- أعاد تعريف الكثير من المفاهيم حول الامتثال للسلطة في تجربة مشهورة باسم “تجربة ميلغرام”. حيث طلب من متطوعين أن يمتثلوا دور الضحية وكان على الفرد في العينة (التي تصل إلى ألف شخص) أن يوجه صعقة كهربائية للضحية حينما يجيب إجابة خاطئة. كانت الخطة أن يتعمد الضحية الإجابة بشكل خاطئ حتى يختبر المدى الذي سيصل إليه أفراد العينة في زيادة مستوى الصعقة. بالطبع لم يتأثر الذين كانوا في دور الضحية سلباً حيث أنهم كانوا يمثلون ولم تكن الصعقة حقيقية. ولكن الملف للانتباه هو أن 62% من أفراد العينة وصلوا إلى أعلى مستوى للصعق رغم الصياح ونداءات الاستغاثة التي كان يؤديها الضحية. بعبارة أخرى، ثلثيّ العينة لم يجدوا غضاضة من إلحاق الأذى بالآخرين وتعذيبهم واضطهادهم بسبب صدور هذه الأوامر. أليس هذا مفجعاً ؟

في ورقته التي يلخص فيها هذه التجربة -والتي كُررت مرات عديدة وتحت ظروف مختلفة- ويستعرض فيها البيانات عرض فيها الكثير من المفاجآت. لعل المفاجأة الأولى هي شرح كيف أنه بوسع أشخاص عاديين -وربما يوصفون بأحسن الأوصاف في حياتهم المهنية والعامة- متقبلين لأن يمتثلوا للأوامر على حساب الآخرين وبدون مقاومة فعلية. بالطبع أغلب أفراد العينة كانوا منزعجين من الأوامر المتكررة بزيادة الجرعة إلا أنهم في النهاية يمتثلون ويخضعون لأمر المشرف على التجربة حينما يقول له “استمر ، فالتجربة تتطلب هذا”. لم يستطيعوا ترجمة هذه المقاومة إلى رفض للامتثال وإعلان انسحابهم من المساهمة في التجربة مع أن بوسعهم فعل ذلك في أي لحظة. فهل هم أشرار حقاً ؟

لم يكونوا أشراراً. فكل فرد فيهم تنازعته التناقضات بين طاعة أوامر المشرف على التجربة وبين التعاطف مع الضحية “أو المتطوع”. وليس هذا فحسب، بل إن الحد الأعلى للصعق يقل كلما قلّت المسافة بين أفراد العينة والضحية. حيث كان هناك أربع تصنيفات اختبرت كلها على حدة تتراوح من لقاء مباشر داخل غرفة واحدة -وهي التي يقل فيها الحد الأعلى للصعق لأن التعاطف مع الضحية أكبر- إلى إخفاء تام للضحية حيث لا يسمع أفراد العينة إلا طرقات الباب والصراخ -وهي الحالة التي سجل فيها الحد الأعلى للصعق أعلى المستويات-. وإضافة إلى ذلك يقلّ الامتثال بشكل كبير حينما يكون المشرف على التجربة خارج الغرفة (ويُلقي أوامره لأفراد العينة إما بالهاتف أو عبر شريط مسجل) لدرجة أن بعضهم كان يوجه للضحية أخف الصعقات رغم زعمه أنه يرفعها. فهؤلاء إذن لم يكونوا أشراراً، حيث أنهم يتحرون السبل للعطف بالضحية.

إذن فهل هم عديمو الإنسانية ؟ في حقيقة الأمر كلنا يمكن أن نكون مكان أحد هؤلاء عديمي الإنسانية. تصرفاتنا -حسب ما تتوجه إليه دراسات علم النفس الاجتماعي- لا تنطلق من سماتنا الشخصية فحسب بل إنها تخضع وبشكل كبير للموقف. دراسة ميلغرام ليست الوحيدة بل تبعتها دراسات كثيرة قد نتعرض لها مستقبلاً مثل “تجربة سجن ستانفورد” وغيرها. وكلها تصل إلى ذات النتيجة وهي أن سماتنا الشخصية وتوقعاتنا وأفكارنا كلها تتضاءل أمام الظروف التي نجد أنفسنا فيها فنتصرف حسب ماتمليه الضروف. فحين نرمي بإنسان في تيار مائي قوي لا يمكن أن نقول بأنه سباح سريع وكذا الأمر في حياتنا العامة حيث المواقف تشكّل تصرفاتنا بشكل يفوق كل التوقعات. لا يوجد من هو عديم الإنسانية بكل بساطة لأن الدوافع التي تدفعنا للامتثال للسلطة -بأنواعها- تنبع من ذات المكان الذي تنبع منه دوافع العطف والرحمة.

ربما إن كان في الورقة درس واضح فهو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأنظمة ولا يبدأ من الأفراد. فالإنسان في نهاية الأمر كائن معقد من الدوافع والغرائز، فيما الأنظمة -بالمقابل- تشكل الظروف التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل معها. كما تلمح الورقة إلى صعوبة تحديد المدى الذي يمكن أن نلوم فيه الأفراد على جرائمهم التي تنبع من “طاعة الأوامر”.

يختم ستانلي ميلغرام ورقته -بتصرف- قائلاً:

“النتائج كما شاهدتها وتابعتها في المختبر تبدو لي مقلقة. إنها ترجح أن الطبيعة البشرية […] غير جديرة بالركون إليها لتبعد [الإنسان] عن الوحشية والمعاملة اللا إنسانية تحت توجيه السلطات الفاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون به دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار وبدون حدود حدود يفرضها الضمير طالما كانت الأوامر صادرة من سلطة شرعية. إذا تمكن مشرف مجهول في هذه الدراسة من توجيه الأوامر لمجموعة من البالغين لإخضاع رجل في الخمسين من عمره وإجباره على تلقي صعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجاته، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما تستطيع الحكومات -بما لها من سلطات وهيبة أكبر بكثير- أن تأمر به أولئك المذعنين لها…” 

ولعلنا بهذا العرض السريع نفهم كيف يقوى قلب إنسان على تفجير مستشفى مليء بالأبرياء وبنفس الطريقة نفهم كيف تصنع الحكومات الفاسدة قطعاناً من المجرمين.

هل يمكن أن يكون زواج القاصرات عملاً أخلاقياً ؟

* نشر في صحيفة مكة.

مضى على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نحو ستة وستين عاماً حيث عمدت الدول المنتصرة إلى صياغة للحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان ليحيى حياة كريمة، من دون أن يكون لسؤال المركزية الغربية في تعريف تلك الحقوق حظه الكافي من التمحيص. ولعل آخر التطورات التي أعادت بث الروح في هذه القنبلة الكامنة كان الربيع العربي الذي مضى على انطلاق شرارته نحو ثلاثة أعوام. من وجهة نظري، أهم الأسئلة التي بُثت من خلال أحداث الربيع العربي كان سؤال شمولية وكونية الحقوق الفردية والقيم الديموقراطية والحرية السياسية ونحو ذلك. حيث تؤخذ كثير من هذه القيم كمسلمات كونية بدون أن تتعرض أسسها ومقدماتها لتحقيق كاف حول ما يجعلها قيم شمولية يجب أن يتمتع بها كل إنسان. فالغالبية العظمى من الأطروحات الأكاديمية والسياسية تُسلم بوصفها قيم كونية تعلو على الزمان والمكان، ومن ثم فموضوع تلك الأطروحات متعلق بالاعتبارات العملية للوصول إلى تلك الغايات وتحقيق تلك القيم على أرض الواقع.

ولكننا نجد طرحاً مقابلاً لم يحظ بنصيبه من الشعبية بعد يركز على المركزية الغربية لهذا النمط من التفكير، وعلى صعوبة تعميم هذه القيم لتصبح قيم شمولية لتعارضها مع سُلم القيم في ثقافات ومجتمعات أخرى. بمعنى أنه من الصعب افتراض أن سُلّم القيم الذي ترعاه الدول الغربية هو سُلم متوائم مع الإنسان في كل مكان نظراً للاختلاف الكبير -الذي يكاد يُسلم في وجوده الجميع- بين الثقافات والمجتمعات. وعندها لا يبقى أمامنا سوى التعامل مع قيم محلية هنا وهناك وسلالم قيم مختلفة. هذه النظرة تعتبر الطرف المقابل لنظرة القيم الكونية. فقيمة الجماعة على سبيل المثال قد تعتبر قيمة محلية ذات أهمية كبيرة عند كثير من المجتمعات الشرقية كالهندية والصينية والعربية، ولكنها ليست قيمة كونية حيث الكثير من المجتمعات الغربية لا ترى الجماعة بنفس منظار المجتمعات الشرقية بل ربما لديها قيمة الفرد أعلى.

التحدي الذي يقودنا إليه هذا التمييز هو في التبرير الأخلاقي الذي يستند إلى هذ القيم. فإلى أي حد يمكن أن نؤسس لتبرير أخلاقي كوني للممارسات التي تنبثق من قيم مجتمع ما فيما هي تعتبر منبوذة عند مجتمع آخر ؟ ولكي يكون لهذا الكلام معنى لنأخذ قيمة حرية الفرد على سبيل المثال. ماهو المستند الذي نستند إليه حينما نزعم أن قيمة الفرد يجب أن تكون قيمة منشودة يجب أن يتمتع بها كل إنسان وندين على هذا الأساس ممارسات مجتمعات أخرى في انتهاك هذه القيمة ؟ خصوصاً حينما يكون انتهاك هذه القيمة على أساس تعارضها مع قيمة أسمى لديهم -ولتكن قيمة الجماعة-.

في ورقة منشورة في شهر مايو عام 2011 في المجلة العالمية لعلم النفس، استعرض الباحثون الثلاثة عدداً متنوعاً من دراسات التبرير الأخلاقي Moral Reasoning والتي تستند على عينات ذات خلفيات مختلفة جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وعمرياً. أغلبية الدراسات كانت تستند على سرد حالات يومية افتراضية لأفراد العينة ومن ثم يُسألون عن مدى قبولهم لهذا الفعل كفعل أخلاقي. أظهرت هذه الورقة وجود اختلافات معيارية واضحة -مرتبطة بشكل ما بخلفية العينة وليست اختلافات عشوائية- في اعتبار المقبول أخلاقياً من سواه. ولنذكر على سبيل المثال إحدى الدراسات التي تظهر تأثير المعلومات السياقيّة على الحكم الأخلاقي حيث سُئل مجموعة من البالغين الهنديين والكنديين فيما إذا كان على شخص ما سرقة تذكرة القطار من جاكيت أحد الركاب لكي يحضر حفل زواج أعز صديق له وإعطاءه خاتم الزواج. أجابت العينة الهندية بغالبية عظمى أنه يجب عليه فعل ذلك فيما أجابت غالبية العينة الكندية بالعكس. وقد لاتتسع المساحة للتفصيل ومناقشة خلفيات هذا المثال العابر -فضلاً عن مناقشة الورقة-، إلا أن هذا المثال لا يعكس أثر المعلومات السياقية فحسب -والتي تجعل حكمنا الأخلاقي يختلف من حالة إلى أخرى- بل يعكس الأثر العميق الذي تلعبه الثقافة والتنشئة الاجتماعية في تشكيل معاييرنا الأخلاقية.

هل يمكن على ضوء ما قلناه الوصول إلى أخلاقيات كونية -مبنية على مقدمات شاملة كذلك- بحيث لا تتعارض مع الثقافات المحلية ؟ اقترح العديد من العلماء مثل لورنس كولبرج ومارك هوسر وجود مستوى كوني -شامل لكل إنسان- من التبرير أو النمو الأخلاقي. ولكن هذا المستوى لا يتناول التأثيرات الاجتماعية المكتسبة بالاعتبار بمايجعل الإجابة بالإيجاب عن السؤال بعيدة المنال. وبالمقابل نجد أن هذا الافتراض تقوم عليه المواثيق العالمية والدولية خصوصاً تلك المتعلقة بالقيم والحقوق، إذ لا عبرة من كتابة ميثاق دولي لحقوق الإنسان إذا كانت كل القيم الأخلاقية نسبية لاتحظى بنصيبها من الإجماع.

هذا الحديث يتركنا أمام عدد من الأسئلة المفتوحة خصوصاً في عالم مفتوح على بعضه بشكل لم يحصل من قبل. فإلى أي حد يمكن للفرد أن يحترم قيم ثقافته دون أن يرى شموليتها وإطلاقها؟ وإلى أي حد يمكن أن للسلطات المركزية أن تساهم في تعريف قيم الحق والواجب والخير دون أن تستخدم هذه القيم كمبررات لقتل الأبرياء أو ارتكاب جرائم شنيعة ؟

اختتم الباحثون تلك المراجعة الطويلة بانتقاد المركزية الغربية للأبحاث التي تبحث التبرير الأخلاقي، سواء مركزية الباحثين أنفسهم أو المركزية في اختيار العينة. ولكي يقدموا مثالاً عملياً أشاروا إلى أن الدوافع الدينية بشتى أشكالها لا تجد الحضور الكافي في الأبحاث العلمية مع أن أولى وأقدم الوثائق الأخلاقية كالوصايا العشر هي معتقدات دينية أصيلة وكذلك قيمة الواجب التي تعتبر ركنا أساسياً في العقائد الهندية. ونستطيع بكل ثقة أن نسقط هذا الانتقاد على كافة المعاهيد والمواثيق والمؤسسات الدولية المتعلقة بالحقوق.